سيد محمد طنطاوي

457

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : أرأيت - أيها الرسول الكريم - إن كذب هذا الكافر بما جئته به من عندنا ، وتولى وأعرض عما تدعوه إليه من إيمان وطاعة للَّه رب العالمين . أرأيت إن فعل ذلك ، أفلا أرشده عقله إلى أن خالق هذا الكون يراه ، وسيجازيه بما يستحقه من عذاب مهين ؟ . فالمقصود من هذه الآيات الكريمة التي تكرر فيها لفظ « أرأيت » ثلاث مرات : تسلية النبي صلى اللَّه عليه وسلم . وتعجيبه من حال هذا الإنسان الطاغي الشقي ، الذي أصر على كفره . وآثر الغي على الرشد . والشرك على الإيمان . . وتهديد هذا الكافر الطاغي بسوء المصير ، لأن اللَّه - تعالى - مطلع على أعماله القبيحة . . . وسيعاقبه العقاب الأكبر . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : فأين جواب الشرط - أي في قوله - تعالى - : * ( أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى ) * ؟ قلت : هو محذوف تقديره : إن كان على الهدى ، ألم يعلم بأن اللَّه يرى ، وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني . فإن قلت : فكيف صح أن يكون « ألم يعلم » جوابا للشرط ؟ قلت : كما صح في قولك : إن أكرمتك أتكرمنى ؟ وإن أحسن إليك زيد هل تحسن إليه ؟ . . . « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَه لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ) * ردع وزجر لهذا الكافر الطاغي الناهي عن الخير ، ولكل من يحاول أن يفعل فعله . والسفع : الجذب بشدة على سبيل الإذلال والإهانة ، تقول : سفعت بالشيء ، إذا جذبته جذبا شديدا بحيث لا يمكنه التفلت أو الهرب . . . وقيل : هو الاحتراق ، من قولهم : فلان سفعته النار ، إذا أحرقته وغيرت وجهه وجسده . والناصية : الشعر الذي يكون في مقدمة الرأس . أي : كلا ليس الأمر كما فعل هذا الإنسان الطاغي ، ولئن لم يقلع عما هو فيه من كفر وغرور ، لنقهرنه ، ولنذلنه ، ولنعذبنه عذابا شديدا في الدنيا والآخرة . والتعبير بقوله - تعالى - : * ( لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ) * يشعر بالأخذ الشديد ، والإذلال المهين ، لأنه كان من المعروف عند العرب ، أنهم كانوا إذا أرادوا إذلال إنسان وعقابه ، سحبوه من شعر رأسه . والتعريف في الناصية ، للعهد التقديري . أي : بناصية ذلك الإنسان الطاغي ، الذي كذب وتولى ، ونهى عن إقامة الصلاة . وقوله - تعالى - : * ( ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ ) * بدل من الناصية ، وجاز إبدال النكرة من المعرفة ، لأن النكرة قد وصفت . فاستقلت بالفائدة .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 778 .